محمد الغزالي

179

فقه السيرة ( الغزالي )

من ذلك ما روي عن أسماء « 1 » بنت أبي بكر ، قالت : مكثنا ثلاث ليال ما ندري أين وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أقبل رجل من أسفل مكة يتغنّى بأبيات من الشّعر : جزى اللّه ربّ النّاس خير جزائه * رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبرّ ثمّ تروّحا . . ! * فأفلح من أمسى رفيق محمّد ليهن بني كعب مكان فتاتهم * ومقعدها للمؤمنين بمرصد قالت أسماء : فلمّا سمعنا قوله عرفنا حيث توجّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأنّ وجهه إلى المدينة ! . من القائل ؟ تذكر الرواية أنّه من الجن ! وتلك عادة العرب في نسبة شعرها ، فلكلّ شاعر عندهم شيطان . . ! « 2 » . والرّاجح أنّ الأبيات المذكورة من إنشاد مؤمن يكتم إيمانه بمكة ، ويتسمّع أخبار المهاجرين ، فيبدي فرحته بما يلقون من توفيق ، ويجد متنفسا لمشاعره المتوارية في هذا الغناء المرسل . والأبيات تشير إلى واقعة عرضت للرسول عليه الصلاة والسلام في أثناء رحلته ، فقد مرّ على منازل خزاعة ، ودخل خيمة أمّ معبد ، فاستراح بها قليلا ، وشرب من لبن شاتها .

--> ( 1 ) إسناده معضل ؛ قال ابن إسحاق كما في السيرة ( 3 / 4 ، 5 ) : « فحدّثت أسماء بنت أبي بكر أنّها . . . » قالت : « . . فمكثنا ثلاث ليال ، وما ندري أين وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب ، وإنّ الناس ليتبعونه ، يسمعون صوته ، وما يرونه ، حتى خرج من أعلى مكة ، وهو يقول . . . » فذكر الأبيات . وبعضها عن غير ابن إسحاق كما قال ابن هشام . ( 2 ) أقول : إذا جاز هذا على العرب في جاهليتهم ؛ أفيجوز ذلك عليهم في إسلامهم ، وقد نوّر اللّه به قلوبهم أن تتدنّس بشيء من الأوهام ؟ أيجوز أن يقال في حقّ أسماء : إنّها أطلقت اسم ( الجن ) بل ( الشيطان ) على ( المؤمن ) ؟ وما هي الضرورة التي تلجئ حضرة المؤلف إلى هذه التأويلات البعيدة ، بل الباطلة ؟ ! ألا ترى في الرواية - كما ذكرنا - أنّ الجني كان الناس يتبعونه ، يسمعون صوته ، وما يرونه ؟ ! أفهذا من صفات الإنسي ؟ ! خير للمؤلف أن يعرض عن ذكر هذه الرواية مطلقا - ولا سيما وهي ضعيفة - من أن يتأوّلها هذا التأويل المستنكر ، ثم وجدت الحديث موصولا أخرجه الحاكم : 3 / 9 - 10 ، من حديث هشام بن حبيش ، وقال : « صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي ، وفيما قالاه نظر ، وقال الهيثمي ( 6 / 58 ) : « رواه الطبراني ، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم » لكن للحديث طريقين آخرين ، أوردهما الحافظ ابن كثير في ( البداية : 3 / 192 - 194 ) : فالحديث بهذه الطرق لا ينزل عن رتبة الحسن ، واللّه أعلم .